الصداقة والصديق والمواقع الاجتماعية و«النحن»

منتدى العروض ،الدراسات والبحوث


 
  #1  
قديم 08-13-2012, 03:52 AM
الصورة الرمزية مراد الصالحي
مراد الصالحي مراد الصالحي غير متواجد حالياً
مشرف قسم الخدمات العامة للمدير
 
تاريخ التسجيل: Nov 2010
الدولة: الدارالبيضاء
المشاركات: 6,176
مراد الصالحي is on a distinguished road
)d: الصداقة والصديق والمواقع الاجتماعية و«النحن»

الصداقة والصديق والمواقع الاجتماعية و«النحن»



«نحتمل بعضنا البعض لأننا جميعا مُدَّعون»
إميل سيوران-فيلسوف روماني

نحت الأدب الإنساني مفاهيم ثقافية عن علاقتنا الاجتماعية والنفسية التي تربط بعضنا ببعض، وتجعلنا نجتمع بشكل إنساني تحت سقف نعوت وربما ارتباطات مختلفة، تشكل ذواتنا، وربما يحتل مفهوم الصداقة، على غير العادة، مكانة مهمة بين مختلف تلك المفاهيم الفلسفية والاجتماعية والتربوية الأخرى التي تؤسس لعلاقتنا الإنسانية. وأول ما يتبادر إلى ذهن القارئ وهو يطالع كلمات هذه المقالة هو عتبتها وعنوانها،
ليربطه بكتاب لأبي حيان التوحيدي المعنون بـ«الصداقة والصديق»، وهو كتاب له مكانة طيبة ضمن الأدب عموما، ويحتاج الكثير منا إلى إعادة استعادة بعض كلماته وتفاصيله ومعانيه لبناء صداقات ناجحة أو، على الأقل، للاطلاع على ما يفتقر إليه من تصور لمسمى الصداقة. وتأتي مقولة سيوان للتأكيد على موقف وجودي- براغماتي واضح من العلاقة بـ«الآخر»، ربما كان بدوره، باعتباره فيلسوفا، يتصور أن احتمال وجود صداقات جديدة أو قديمة في حياتنا شيء تفرضه ظروف ما سريعا ما نتخلص منها بمجرد تغير تلك الظروف، وهو شيء مربك وعملي في نفس الوقت.
أصبحت لفظة صديق بلا بعد فلسفي ولا اجتماعي ولا نفسي بعدما كثر توظيفها في المواقع الاجتماعية والدردشات، فلا نرى إلا إضافات لصداقات جديدة، حتى إن بعض هذه المواقع، مثلا، لكثرة طلب صداقات جديدة، توقف تفعيل تلك الخدمة مدة شهر كامل على أمل أن يراجع المستخدم بروية ذلك المفهوم أو حتى يتأكد من جدية طلبه على الأقل، فيؤجلون شغفه وفضوله للحصول على لائحة جديدة إلى وقت آخر، ولاحظت أن بعض «الأصدقاء» يكثرون من ذكر عدد صداقاتهم الجديدة بافتخار وكثير «مزايدة» ولو تعلق الأمر بصداقات موقعُها «العالم الافتراضي»، وهذا كله إفراغ لما لمفهوم الصداقة من معنى وحقائق جليلة.
يؤكد أبو حيان التوحيدي، وهو الذي قد يتمنى ربما أن يواكب كل هذه التحولات، على دور الصديق الحقيقي والواقعي بالقول إن حديثه فيه حلاوة، كما أن فيه شفاء للصدر، وتخفيفا من البرحاء، وانجيابا للحرقة، واطرادا للغيظ، وبردا للغليل، وتعليلا للنفس، وربما لأن بعض الناس اليوم لا يملكون القدرة على تكوين وربط علاقات اجتماعية ناجحة وواقعية بسبب العمل أو حالة نفسية أو موقع اجتماعي، مما يجعلهم يهربون إلى العالم الافتراضي، للإحساس بأنه بديل لهم أولا، وثانيا لمشاركة مشاعرهم مع «الأغيار» دون كثير تحرج، ليس فقط بالدردشة في غرف خاصة، ولكن بالإفصاح عنها على الجدار الشخصي للعموم، سواء باسم مستعار أو باسمهم الحقيقي، ثم انتظار «التعليق» و«المشاركة» commenter ou partager، وهذا تحول كبير آخر يصيب جانبا مهما من تصوراتنا للعلاقات الاجتماعية والأخلاقية دون أن أنعتها بالسلب ولا بالإيجاب بل أقف منها موقفا حياديا.
إن المواقع الاجتماعية اليوم تنحت لنا تصورات ومواقف ومشاعر كما تساعدنا على التغيير بشكل سلس ومرن جدا، فتجعلنا ننتقل من حال إلى حال دون أن نعيى بذلك، ومشكلتنا أننا لا نعرف عمق هذا التغير والتحول إلا بعد أن نقطع مسافة كبيرة، دون أن نملك استراتيجية متكاملة تجعل علاقتنا تنسجم مع واقعنا والتحديات التقنية الجديدة، بمختلف جزئياتها، وهو ما يسمى بـ«التبيئة» بكل شروطها، فلا أحد اليوم يقدر على أن يغلق بابه أمام هذا السيل الجارف من المستحدثات، كأننا بصدد حلم مثالي يمنحنا اللذة ويمنع عنا التفكير، وشتان بين الحلم وبين فترة الاستيقاظ، ومثالا على ذلك نتحدث كثيرا عن الخصومات التي تقع بسبب نشر غسيل أحدهم أو أوراق الامتحان على جدار المواقع الاجتماعية أو امتلاك مسؤول لصفحة أو مشكل عائلي بين زوجين بسبب صفحة شخصية..، فنكتشف مشاكل وجرائم جديدة، وفوارق عميقة بين الأجيال المتعاقبة إلى درجة الدهشة، وقد نلاحظ فيما بعد أننا لسنا كما نتصور أنفسنا أو مجتمعنا، بل إننا مختلفون جدا أو منمطون جدا، فالتقنية سلاح لا نقدر على محاكمته أو تخفيف مخاطره.
هل نتحدث عن آداب الصديق وكتاب أبي حيان التوحيدي فقط؟ أم عن صداقتنا بالحاسوب؟ إننا نتحدث أيضا عن الأخير بطبيعة الحال بكل تصانيفه؛ خصوصا إذا كان متصلا بالشبكة العنكبوتية، إنه الصديق الحقيقي اليوم، لأنه يمنحنا المتعة ويجعل عالمنا منفصلا عن كل العالم أو متصلا بكل العوالم، قد كاد يشبه في قدراته ما في أحلام بلاد العجائب، فلم يعد الكتاب مجديا أو بنفس الروعة كما الجلوس إلى «أنيس بشري» أو غيره. وسؤالي: هل سنتمكن من إبداع أمثلة مرتبطة بالواقع الجديد كـأمثلتنا الثقافية القديمة: «الصديق قبل الطريق» و«خير جليس في الزمن كتاب»، تساعدنا على ترشيد علاقتنا بالوافد حديثا؟
الصداقة شيء مهم عند رجال السياسة والأدب وجل أفراد المجتمع مع اختلاف في نظرتهم إليها، لذلك حكى التوحيدي عن أبي سليمان السجستاني قائلا: «فأما الملوك فقد جَلـُّوا عن الصداقة؛ ولذلك لا تصح لهم أحكامها، ولا توفي بعهودها، وإنما أمورهم جارية على القدرة، والقهر، والهوى، والشائق، والاستحلاء،..». وربما مع المواقع الاجتماعية الجديدة لا حاجة بأحد الساسة إلى صديق يؤنسه ويكتم عنه أو يظهر محاسنه، إذ إن هذه المواقع تقوم بكل المهام بلا حجاب ولا وسائط كثيرة، وكثيرا ما تكون التعليقات على أخبارهم تبين صورتهم عند المتلقين، فتكشف شعبيتهم من عدمها، كما ساهمت في ظل الربيع الديمقراطي في تشكيل وعي سياسي مختلف، بل نزعت بعض الساسة عن كراسيهم.
أما ما نقل عنه في الكتاب وأهل العلم فقوله: «.. إنهم إذا خلوا من التنافس والتحاسد والتماري والتماحك، فربما صحت لهم الصداقة وظهر منهم الوفاء، وذلك قليل، وهذا القليل من الأصل القليل»، فقد كانت لهم هذه المواقع خير معين لكشف جديدِ هؤلاء من تنقلات ومشاركات وإبداعات، وهي خدمات تفاعلية توضح مدى اتساع قرائهم، مما يجعلهم أكثر قربا من بعضهم البعض، وهذا ما يفسر مدى انتشار صفحات خاصة بأصدقاء الكاتب الفلاني والعلاني، وهذا ما ينعكس سلبا كذلك على علاقات بعض الكتاب ببعضهم بنشر التعليقات المستفزة والأكاذيب والافتراءات وتحريك العداوات المجانية، وهو سبب وجيه لهدم صداقات مفترضة واقعيا.
لقد غيرت التقنية بعدما دخلت حياتنا طرق تفكيرنا وجعلتنا ننخرط، بشكل أو بآخر، في أشكال ثقافية مختلفة؛ كما جعلت تعابيرنا معقدة ومرتبكة، مما أثر على مفاهيمنا التي أصبحت لها دلالات جديدة تنخرط في تزكية هذا الواقع، ودلالة «الصداقة والصديق» جزئية فقط بدأت تفقد حمولتها شيئا فشيئا بعدما برزت إليها التقنية بأدواتها وبدأنا نصدق أوهامنا الافتراضية ونتماهى معها في اغتيال تام لتجاربنا الواقعية.
باحث وكاتب صحفي-أكادير


يوسف محمد بناصر




hgw]hrm ,hgw]dr ,hgl,hru hgh[jlhudm ,«hgkpk»

__________________


أينك يا إطار؟؟؟؟
آش بيك دارت لقدار مابان ليك أثر ولا خبروا بيك البشارة
 

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

منتدى الجمعية الوطنية لمديرات و مديري التعليم الإبتدائي بالمغرب

↑ Grab this Headline Animator


Loading...