نظرية النظم عند الجرجاني

منتدي النقاش و الحوار العــام


 
  #1  
قديم 06-29-2012, 12:20 AM
الصورة الرمزية عبد الرحيم ميمي
عبد الرحيم ميمي عبد الرحيم ميمي غير متواجد حالياً
مشرف المنتدى الفني
 
تاريخ التسجيل: Mar 2012
الدولة: نيابة صفرو
المشاركات: 1,836
عبد الرحيم ميمي is on a distinguished road
افتراضي نظرية النظم عند الجرجاني

[b][center][font="book antiqua"][size="4"][color="darkgreen"]نظرية النظم عند الجرجاني

لقد اهتم عبد القاهر الجرجاني بنظرية النظم القائمة على حسن الصياغة و توخي معاني النحو، و التي تنظر إلى العلاقة التي تنشأ بين اللفظ و المعنى من وجهة لغوية دقيقة نتيجة التحامها و شدة ارتباطها. حيث نظر إليهما نظرة المتفحص العارف بمقادير الكلام، لذلك عرف قيمة اللفظ في النظم، و عرف طريقة تصوير المعاني على حقيقتها، ثم جمع بين اللفظ و المعنى، و سوى بين خصائصهما، و رأى اللفظ جسدا و المعنى روحا يعتمد على حسن الصياغة و دقة التصوير التي نضجت في بحوثه، و بهذه الطريقة انتهى من فكرة الفصل بين اللفظ و المعنى.

المحور الأول: اللفظ والمعنى عند عبد القاهر الجرجاني:

1- مكانة اللفظ عند عبد القاهر

إن نظرية النظم ترفض الفصل بين اللفظ و المعنى، و ذلك بتوضيح طريقة علمية قائمة على الدمج بين كلا المكونين ، بقوله:" الكلم على ضربين: ضرب أنت تصل منه إلى الغرض بدلالة اللفظ و حده و ذلك إذا…و ضرب آخر لا تصل أنت منه إلى الغرض بدلالة اللفظ وحده، و لكن يدلك اللفظ على معناه الذي يقتضيه موضوعه في اللغة. ثم تجد لذلك المعنى دلالة ثانية تصل بها إلى الغرض."
إذن يمكن القول إن الألفاظ لا تتفاوت من حيث هي ألفظ مجردة، و لا من حيث هي كلم مفرد، و أنها تكون لها المزية في ملاءمة اللفظة لمعنى التي تليها، و هذا ما يجعل اللفظة فصيحة في موضع و غير فصيحة في موضع آخر، و بذلك لا يمكن تعيين ألفظ بذاتها تكون ذات جمالية في جميع المستويات:" فإنا نرى اللفظة تكون في غاية الفصاحة في موضع و نراها بعينها فيما لا يحصى من المواضع و ليس فيها من الفصاحة قليل و لا كثير".
و لهذا ينكر عبد القاهر الجرجاني أن تكون الفصاحة صفة للفظ من حيث هو لفظ مفرد. بقوله:" لا تخلو الفصاحة من أن تكون صفة في اللفظ محسوسة تدرك بالسمع، أو تكون صفة فيه معقولة تعرف بالقلب، فمحال أن تكون صفة في اللفظ محسوسة؛ لأنها لو كانت كذلك لكن ينبغي أن يستوي السامعون للفظ الفصيح في العلم بكونه فصيحا، و إذا بطل أن تكون محسوسة وجب الحكم ضرورة بأنها صفة معقولة، و إذا وجب الحكم بكونها صفة معقولة فإنا لا نعرف للفظ صفة يكون طريق معرفتها النقل دون الحس إلى دلالته على معناه." و نجد أن عبد القهر وصف بعض الكتاب بالجهلة، لأنهم قالوا بفصاحة اللفظ المفرد. بقوله:" ذلك محال من حيث يعلم كل عاقل أنه لا يكنى على اللفظ، و إنما يكنى بالمعنى على المعنى، و كذلك يعلم أنه لا يستعار اللفظ مجردا عن المعنى، و لكن يستعار، المعنى ثم اللفظ يكون تبعا للمعنى".

أ- شروط استحسان اللفظ

إن اللفظ يستحسن إدا استحق المزية و الشرف، ضمن شروط معلومة داخل التعبير، و أهمها حسن تلاؤم حالات اللفظة مع حالات الألفاظ المجاورة لها في النظم، ثم حسب ترتيب المعاني في النفس، و تناسق دلالتها و تلاقي معانيها على الوجه الذي يرتضيه العقل مع اعتبار حال المنظوم بعضه من بعض. يقول عبد القاهر:" فلو كانت الكلمة إذا حسنت حسنت من حيث هي لفظة، و إذا استحقت المزية و الشرف استحقت ذلك في ذاتها و على انفرادها، دون أن يكون السبب في ذلك حال لها مع أخواتها المجاورة لها في النظم، لما اختلف بها الحال، و لكانت إما أن تحسن أبدا أو لا تحسن أبد". و لذلك لا بد لكل كلام تحسنه، و لفظ تستجيده:" من أن يكون لاستحسانك ذلك جهة معلومة و علة معقولة، و أن يكون لنا إلى العبارة عن ذاك سبيل، و على صحة ما ادعيناه من ذلك دليل، و هو باب من العلم، إذا أنت فتحته أطلعت منه على فوائد جليلة و معاني شريفة، و رأينا له أثرا في الدين عظيما و فائدة جسيمة
و من أجل هذا يجب أن ينظر إلى اللفظة قبل دخولها في التأليف و قبل أن تصبح جزءا من الصورة التي يكون فيها الكلام إخبارا و أمرا و نهيا أو وصفا:" ذلك أن الأمر على ما قلناه من أن اللفظ تبع للمعنى في النظم، و أن الكلم تترتب في النطق بسبب ترتيب معانيها في النفس.أي لا نظم في الكلم و لا ترتيب في الكلمات إلا وفقا لما هو عليه المعنى حتى يعلق بعضها ببعض و تبنى إحداها على الأخرى، و تجعل هذه بسبب من تلك.
و يرجع الاستحسان في اللفظ وحده دون اشتراك مزايا المعني فيه، من كون هذا الاستحسان سببا من أسبابه و دواعيه يكاد ألا يعدو نمطا واحدا. و هو أن يكون اللفظ مما تعارف عله الناس في زمانهم و تداولته ألسنتهم، و ألا يكون وحشيا غريبا أو عاميا سخيفا بعيدا عن موضوع اللغة.

ب- صفة الفصاحة

إن صفة الفصاحة بالنسبة إلى اللفظ صفة مكتسبة من المعاني و ذلك عندما تكون اللفظة منظومة داخل نظم التعبير،" إن الفصاحة تكون في المعنى أن المزية التي من أجلها استحق اللفظ الوصف بأنه فصيح عائد في الحقيقة إلى معناه. و لو قيل: إنها تكون فيه دون معناه لكان إذا قلنا في اللفظة: إنها فصيحة، أن تكون تلك الفصاحة واجبة لها بكل حال، و معلوم أن الأمر بخلاف ذلك، فإنا نرى اللفظة تكون في غاية الفصاحة في موضع، و نراها بعينها فيما لا يحصى من المواضع و ليس فيها من الفصاحة قليل و لا كثير، و إنما كان كذلك لأن المزية التي من أجلها نصف اللفظ في شأننا هذا بأنه فصيح، مزية تحدث من بعد أن لا تكون، وتظهر في الكلم من بعد أن يدخلها النظم، و هذا شيء إن أنت طلبته فيها و قد جئت بها أفرادا لم ترم فيها نظما و لم تحدث لها تأليفا طلبت محالا". ويضيف قائلا:" وجملة الأمر ، أنا لا نوجب الفصاحة للفظ مقطوعة مرفوعة من الكلام الذي فيه، و لكنا نوجبها لها موصولة بغيرها، و معلقا معناها بمعنى ما يليها".
و مما أخذ على عبد القاهر الجرجاني في قضية اللفظ و المعنى أنه أغفل الجانب الصوتي من اللفظ، و أكد هذه القضية سيد قطب في كتابه( التصوير الفني في القرآن). بقوله:" و مع أننا نختلف مع عبد القاهر في كثير مما تحويه نظريته هذه بسبب إغفاله التام لقيمة اللفظ أو صوته مفردا أو مجتمعا، و هو ما يخبرنا عنه بالإيقاع الموسيقي، كما يغفل الظلال الفنية في أحيان كثيرة، و لها عندنا قيمة كبرى في العمل الفني، مع هذا فإننا نعجب باستطاعته أن يقرر نظرية هامة كهذه، عليها الطابع العلمي، دون أن يخل بنفاذ حسه الفني في كثير من مواضع الكتابة".إن اللفظ المفرد لا يكتسب معنى محددا، و لا يفيد فائدة خاصة إلا إذا أدى وظيفة في سياق ما. فالألفاظ تستمد دلالتها من علاقاتها بالكلمات السابقة لها أو اللاحقة بها، و بما يمكن أن تكتسبه في مكانها التي وضعت فيه من إضافات جديدة، ومن ثم كانت الكلمة المفردة مجرد إشارة إلى الصورة الباردة للشيء، أما الكلمة المستخدمة في سياق فهي شحنة من العواطف الإنسانية و الصور الذهنية و المشاعر الحية إلى جانب ما فيها من معنى عقلي مجرد.

2- مكانة المعاني في النظم

أ- التصوير و توخي معاني النحو

و سبيل المعاني كسبيل الأصباغ التي تعمل منها الصورة و النقش و النحت، و لا معنى للتصوير و النقش و النحت بدون إيحاءات، فالأشكال المنحوتة تعبر عما فيها من لمسات فنية تنبض بالواقعية و الجمال، و كذلك هو حال النظم الذي يتواصفه الفصحاء و البلغاء، يعبر بما فيه من مقومات متكاملة لشدة الصلة بين اللفظ و المعنى و حسن أداء الدلالة، لأنها عملية تمثل وجودا متكاملا بعيدا عن الجزئية. يقول عبد القاهر:" ترى الرجل قد تهدى في الأصباغ التي عمل منها الصورة و النقش في ثوبه الذي نسج إلى ضرب من التخير و التدبر في أنفس الأصباغ و في مواقعها و مقاديرها و كيفية مزجه له و ترتيبه إياه إلى ما لم يتهدى إليه صاحبه، فجاء نقشه من أجل ذلك أعجب، و صورته أغرب، كذلك حال الشاعر و الشاعر في توخيهما معاني النحو و وجوهه التي علمت أنها محصول النظم". و من خاصية توخي معاني النحو أن تتخذ أجزاء الكلام في بناء محكم لا اعوجاج فيه، بناء متماسك بجميع صفوفه و أركانه بحيث تبقى النظرة كلية، تجمعه روابط الوحدة العضوية، يبرز فيه التناسق العام بجميع جهاته.
" و اعلم أن مما هو أصل في أن يدق النظر، و يغمض المسلك في توخي المعاني التي عرفت أن تتخذ أجزاء الكلام، و يدخل بعضها في بعض، و يشتد ارتباط ثان منها بأول، و أن يحتاج في الجملة إلى أن تضعها في النفس وضعا واحدا، و أن يكون حالك فيها حال الباني، يضع بيمينه ههنا في حال ما يضع بيساره هناك".
فلولا التناسق و الإبداع في الرصف لما كان هناك جمال للمبنى، ولولا حسن الصنعة و الابتكار في المعاني لما كان هناك حسن نظم، فالإعجاب للمشهد الكلي قادم من مقوماته المتممة لبعضها البعض. ذلك هو حال النظم في شكله و مضمونه و في إطاره العام." و اعلم أن من الكلام ما أنت ترى المزية في نظمه الحسن كالأجزاء من الصبغ تتلاحق و ينضم بعضها إلى بعض حتى تكثر في العين… و منه ما أنت ترى الحسن يهجم عليك منه دفعة، و يأتيك منه ما يلائم العين غرابة حتى تعرف من البيت الواحد مكان الرجل من الفصل، و موضعه من الحذف، و تشهد له بفضل المنة و طول الباع".

ج- قانون يجمع بين اللفظ و المعنى

يضع عبد القهر الجرجاني قانونا لهذا النظم الجامع للفظ و المعنى؛ ليهتدي به كل من طلب النظم السليم و التعبير الراقي، لإيمانه الشديد بأهمية ارتباط الفكر باللغة، و متانة التحام اللفظ بالمعنى داخل نظم الكلام، و أن المعاني هي الأصل في تفكير عبد القاهر و نظمه ، بقوله:" و ذلك أنه لو كانت المعاني تكون تبعا للألفاظ في ترتيبها، لكان محالا أن تتغير المعاني، و الألفاظ بحالها لم تزل على ترتيبها، فلما رأينا المعاني قد جاز فيها التغير من غير أن تتغير الألفاظ و تزول عن أماكنها، علمنا أن الألفاظ هي التابعة و المعاني هي المتبوعة ".

" إن غاية ما يسعى إليه عبد القاهر من نظريته هو الوصول بتعبيراتنا اللغوية إلى مستوى رفيع؛ ليأتي التعبير عن المعاني مساوي الحقيقة الراسخة في نفس السامع و القارئ و المتكلم، دون زيادة أو نقصان، ودون حاجة إلى اجتهاد في تأويل أو تفسير، بل يجب أن تأتي صور الكلام مساوية المعاني صورة بصورة، حسا وحركة و حيوية و لونا و مفهوما دون ملابسة". و يبدي عبد القاهر رأيه في هذه المزية اللغوية بقوله:" و اعلم أن الفائدة تعظم في هذا الضرب من الكلام إذا أنت أحسنت النظر فيما ذكرت لك من أنك تستطيع أن تنقل الكلام في معناه عن صورة إلى صورة، من غير أن تغير من لفظه شيئا. أو تحول كلمة عن مكانها إلى مكان آخر، و هو الذي وسع مجال التأويل و التفسير، حتى صاروا يتأولون في الكلام الواحد تأويلين أو أكثر، و يفسرون البيت الواحد عدة تفاسير، و هو على ذلك الطريق المذلة التي ورط كثيرا من الناس في الهلكة، و هو مما يعلم به العاقل شدة الحاجة إلى هذا العلم، و ينكشف معه عوار الجاهل به".
" و أي تبدل في التفكير يجب أن يتبعه تبديل في الكلام زيادة أو أكثر، و أي اضطراب في الفكر يتبعه اضطراب في تركيب الكلام، و يبدل من صورة حقيقة المعاني، فتبديل المعاني من موضع إلى آخر ومن مجال على مجال يتبعه لا محالة تبدل بالألفاظ؛ لأن الألفاظ تتبع المعاني في كل تغير كبير أو صغير". فالألفاظ إذن أردية للمعاني و أوان لها توضع فيها و تنتقل بها من موضع إلى آخر، فالتلازم و التلاحم بينهما شيء حتمي، كما هو الأمر في حالة السوائل الموضوعة في الأواني المستطرقة، إلا أن المعاني بالنسبة إلى الألفاظ تكون أشد التحاما من التحام السوائل في أوانيها.

يتبع[/color][/size][/font][/center][/b]


k/vdm hgk/l uk] hg[v[hkd

 

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is معطلة
كود [IMG] معطلة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الاقتطاع من الأجور بين نظرية مول الحانوت وغياب السند مراد الصالحي منتدى منبر النقاش الحر 2 12-28-2012 10:49 PM
لئن يهدي الله بك رجل واحد خير لك من حمر النعم mohamed rkhissi منتدى الحديث والسيرة النبوية 0 04-26-2012 02:39 PM
إضافة معلومات عني Mohamed HIMITE منتدى طلبات الإشراف 1 03-12-2012 01:45 AM

منتدى الجمعية الوطنية لمديرات و مديري التعليم الإبتدائي بالمغرب

↑ Grab this Headline Animator


Loading...