علموا أولادكم قول "لا"

المنتدى العــام للجمعيـــة


إضافة رد
  #1  
قديم 09-14-2012, 09:13 PM
الصورة الرمزية محمد السحيمي
محمد السحيمي محمد السحيمي غير متواجد حالياً
عضو بارز
 
تاريخ التسجيل: Jan 2011
الدولة: سلا
المشاركات: 303
محمد السحيمي is on a distinguished road
Thumbs down علموا أولادكم قول "لا"

علموا أولادكم "لا"
ما أجمل كلمة "لا": في وقفتها المستقيمة الشامخة فوق السطر، في تشابك أحرفها كأنهما جناحي طائر في السماء. تقاوم أثناء كتابتها، وتجهد عند نطقها، وتثير عند سماعها، لكنها واضحة في رسالتها، موقظة للانتباه، معبرة عن الاستقلالية، مثيرة للجدل، مؤسسة للتغيير، مغذية للتطور. مرتبطة بالهمم العالية، والنفوس الأبية، والشخصيات المستقلة. تنطق دفعة واحدة وبصوت واضح كأنها رصاصة منطلقة.
تنطقها ألسن الأحرار بسلاسة ولحن رائعين، ويتعثر في سبيلها الصغار والضعاف، أول رسائلها البحث عن البديل الآخر. تفتح الأبواب المغلقة، وتغلق الأبواب المشرعة، تدفع إلى الإبداع والتفكير، تثير السخط والغضب والخوف لكن لدى الفاسدين والمستبدين والظالمين والطامعين كما لدى الخانعين الخاضعين و المستسلمين للرتابة والعادة. يتطلب نطقها نبرة حازمة و نظرة لامعة ووقفة مستقيمة وتأهبا للتشابك،...
و"لا" هي الكلمة التي تتطلب أكثر من غيرها تفكيرا عميقا قبل النطق بها، فهي بمثابة مقص حاد ومطرقة طارقة ورصاصة منطلقة، لكنها تصلح في كل زمان ومكان وموضوع. وهي التي لا يمكن نطقها وفق أصولها وآدابها، إلا مستقيم القامة، مرفوع الهامة، مشع النظرات، ...
لولا تضحيات عشاقها، تضحيات كلفتهم حياتهم وحرياتهم وأمنهم واستقرارهم، لما استمر وجود "لا" في مختلف القواميس، الدينية والسياسية والفكرية والفنية بل وحتى اللغوية. وما خلا من وجودها قاموس إلا وكان أقرب إلى "أفيون الشعوب" وفقد المتعاملون به حلاوة التواصل اليقظ و كل معاني التضحية والمقاومة بل وفقد أسباب العيش الكريم. ورغم كل أشكال الاقصاء والتهميش والاستأصال استمرت "لا" في التألق، لتنير طريق الفكر والسياسة في درب الإيباء والكرامة والحرية.
إن تاريخ كرامة الانسان وتحرره وانعتاقه مدين لـ "لا" قولا وموقفا ونهجا وسلوكا، وتاريخ الانسانية وتجارب البشرية يؤكدان أنه فقط في الأوقات التي تسقط فيها "لا" من قواميس التعامل الانساني المختلفة، و لا يستطيع حملة رسالتها التعبير عنها بحرية، تقع الانسانية في شباك الظلم و أوحال العبودية. وعلى مر القرون كان قول "لا" في وجه الطاغية وفي وجه الظالم والمستبد دائما هو من يصنع تاريخ الانعتاق، ويفتح آفاق العيش الكريم.
وليس غريبا بعد هذا، و لمواجهة استغلال الطفولة المتنامي، ولصقل شخصية النشء، ظهر في أدب التربية الغربية اليوم توجه يؤكد على حيوية تعليم الأطفال قول "لا"، ويرى أصحاب هذا التوجه التربوي أن تدريب الطفل على قول "لا" في وجه كل غريب عنه، ولكل من يحاول الاقتراب من مناطق خاصة من جسده، وللذي ينظر بريب إلى ما بين يديه، ... يوفر نسبة كبيرة من أسباب حماية الطفل من كل أشكال الاستغلال. كما يرى هؤلاء أن الطفل تتبلور شخصيته المستقلة والناضجة أكثر حين يعبر عن "لا" بأي شكل من الأشكال، وأن القدرة على التعبير بالقول عن "لا" يحرر الطفل من الخجل ومن أسباب الخضوع، ويشعره بأهمية خاصة في محيطه. وللاستفادة من مغانم التدريب على قول "لا" التربوية لا بد من تدريب الأطفال كذالك على تحمل نتائج "لا" وردود الفعل السلبية من المحيط، وجعله يجد لذة ومتعة في تحمل كل أشكال ردود الفعل ضد قوله "لا".
والتربية على "لا"، تخالف في فلسفتها التربية على "نعم" التي يرى فيها الآباء، جهلا، الضمانة الحيوية على طاعة الطفل لهم وخضوعه لتوجيهاتم، وهذا وهم كبير أو جهل بقواعد التربية على قول "لا"، وهي التربية التي لا تطالب الطفل بالطاعة والخضوع بقدر ما تدربه على التصرف بمسؤولية. فحين نشجع الطفل على تنمية سلوك "لا" تجاه محيطه لا يعني ذلك تنشئته على العدمية، كما لا يعني تعويده على الكسل، كما لا يعني أيضا تلقينه قيم عدم البذل والتضحية، وقيم البخل وعدم التعاون.
إن التربية على قيم "لا" فن رفيع يروم إخراج المواطن القوي الشخصية، الفاعل بوعي وقناعة، القادر على ممارسة النقد البناء، وعلى مقاومة كل محاولات الاقصاء والإخضاع. إن الخوف من "عصيان" النشء لا يبرر بحال تنشئتهم على الخضوع والقابلية للتحكم والتوجيه، فهذا قتل لهم ولمستقبلهم ولمستقبل وطنهم.
وفي الواقع وبغض النظر عن الأهمية المجردة للتربية على "لا"، فالتطورات التي عرفها المجتمع الانساني عامة والمجتمع المغربي خاصة تجعل التربية على قيم "لا" ضرورة واقعية وفريضة اجتماعية. ففي مقابل تراجع كثير من القيم الأخلاقية وفي مقابل تنامي قيم الإدمان وقيم التحكم والسيطرة والإذلال والإخضاع، ... تجد التربية على "لا" كل مبررات جعلها سبيلا آخر لإخراج المواطن الصالح الذي "لا" يقبل الرشوة، و "لا" يخضع للابتزاز و"لا" يبيع صوته الانتخابي، و "لا" يساكن الاستبداد والفساد، و "لا" يقبل كل أشكال الذل والاستعباد، و "لا" يرضى بغير العيش الكريم وبغير الحرية الكاملة بديلا.
وفي حقيقة الأمر لا توجد أية مخاطر في التربية على "لا"، وكل المخاوف حين يتعلق الأمر بالآباء، هي مجرد أوهام ناتجة عن الجهل بفلسفة التربية على "لا" وأهميتها الحيوية اليوم، لكن حين يتعلق الأمر بالثروة والسلطة والمسيطرين عليهما فالأمر يتعلق بالخوف على مستقبل مصالح فئة من اقتسام تلك السلطة والثروة، لذلك فهم يقومون بكل ما تفرضه ضرورة الحفاظ على تلك المصالح، وعلى رأس تلك الضرورات فرض تنشئة اجتماعية تضمر فيها قيم "لا".
وخلاف المتبادر إلى الذهن، فالتربية على "لا" أصعب من التربية المنتشرة على الخضوع والطاعة والاستسلام، ذلك أن التربية على "لا" تحتاج مجهودا استثنائيا ليس من طرف الطفل، موضوع التربية، ولكن من طرف الآباء من جهة ومن طرف الماسكين بالقرار التربوي في المجتمع على مستوى الاعلام وعلى مستوى المدرسة. مجهود يبدأ بالفهم السليم لفوائد تلك التربية وينتهي بالاستعداد للتنازل على بعض السلط مرورا بوجود إرادة حقيقة للتغيير نحو الأصلح. إن الخطر كل الخطر ليس في مستقبل طفولتنا في ظل التربية على "لا"، ولكن كل الخطر من غياب استعداد الآباء ومحتكري السلط على قبول ثقافة "لا"، فكيف بالتنشئة عليها واعتمادها سبيلا تربويا في إخراج المواطن الحقيقي، المواطن المشارك بإيباء، الناقد للأوضاع الساعي إلى التغيير على الدوام، الذي يرى قيمته في كرامته وحريته.
إنه حري بإعلام وتربية ينشآن في ظل الربيع الديمقراطي أن تتأسس فلسفتهما على التنشئة على قيم "لا"، وبدون ذلك يكونا خادمين، بوعي أو بدون وعي، لاستمرار أسباب الاستبداد والفساد



ugl,h H,gh];l r,g "gh"

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 09-14-2012, 10:03 PM
الصورة الرمزية عبد الحفيظ البارودي
عبد الحفيظ البارودي عبد الحفيظ البارودي غير متواجد حالياً
عضو بارز
 
تاريخ التسجيل: Nov 2010
الدولة: مكناس
المشاركات: 5,878
عبد الحفيظ البارودي is on a distinguished road
افتراضي

وعلموا أبناءكم قول لاماليف بتعبير الأخ مراد .
تحياتي الحارة لك الأخ السحيمي .
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 09-15-2012, 10:57 AM
الصورة الرمزية محمد السحيمي
محمد السحيمي محمد السحيمي غير متواجد حالياً
عضو بارز
 
تاريخ التسجيل: Jan 2011
الدولة: سلا
المشاركات: 303
محمد السحيمي is on a distinguished road
افتراضي

لطيف في مرورك و مساهماتك كعادتك شكرا اخي عبد الحفيظ
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
مشروع مذكرة جديدة للوفا تعتمد "النقابات المعترف بها" بدل "الأكثر تمثيلية" مراد الصالحي منتدى النقابات التعليمية: 0 11-07-2012 11:56 PM

منتدى الجمعية الوطنية لمديرات و مديري التعليم الإبتدائي بالمغرب

↑ Grab this Headline Animator


Loading...