المغرب والمعضلة التربوية: ملاحظات وتساؤلات

منتدى المواضيع والقضايا التربوية


 
  #2  
قديم 03-09-2013, 10:57 PM
الصورة الرمزية عبد الحفيظ البارودي
عبد الحفيظ البارودي عبد الحفيظ البارودي غير متواجد حالياً
عضو بارز
 
تاريخ التسجيل: Nov 2010
الدولة: مكناس
المشاركات: 5,878
عبد الحفيظ البارودي is on a distinguished road
افتراضي

وحتى لا نثقل كاهل القارئ بهذه الأرقام التي "كدوخ" فإننا نحيله على التقرير الكامل فهو متوفر في الموقع الإلكتروني للجمعية الدولية للتقويم والتحصيل الدراسي .
ثالثا ما ذا عن العوامل المفسرة للنتائج؟
بالنظر للطابع المنهجي المركب لعملية ضبط مؤشرات التمكن من التعلمات، داخل المؤسسات التعليمية، فإن الجمعية من خلال خبرائها وبمعية الدول المشاركة، بلورت نموذجا خماسيا للعوامل المؤثرة في العملية التربوية، ونحن نعتقد من رأينا المتواضع أنه لا يمكن الإكتفاء بهذه العوامل، نظرا لتداخل العديد من المؤثرات المباشرة وغير المباشرة في العملية التربوية، ولكن حتى نبقى وفيين لعرض أهم الخلاصات التي توصل إليها التقرير، فإننا نوردها على الشكل التالي:
1) عامل المؤسسة التعليمية: ويشمل هذا المكون، الموارد التي توفرها للتلاميذ من مكتبات وقاعات متعددة الوسائط، وهل تستثمر بالشكل الذي يخدم العملية التربوية ويرفد المكتسبات التعليمية بروافد مساعدة ومشجعة على المزيد من الفهم والتحليل الإبداع، أم أنها على العكس من ذلك غير موجودة بالمرة، أو أنها موجودة ولكنها لا تفعل. هناك ظروف العمل وتأثيرها على المدرسين، وهنا يمكن استنتاج أمر في غاية الأهمية، ففي الدول المشاركة في الاختبار، وجدت بعض الدول التي لا تتوفر فيها الشروط الموضوعية لسير العملية التربوية، كالاكتظاظ مثلا أو اهتراء القاعات أو غياب الوسائل البيداغوجية، لكنها لا تؤثر بشكل كبير على مكتسبات المتعلمين، مقارنة مع حالة المغرب، فضعف هذه العوامل المساعدة، يؤثر بشكل كبير على مردودية الأستاذ المغربي، ربما يطرح السؤال التالي: لماذا هذا الاختلاف؟ أعتقد أن غياب الحافزية الحضارية والترسبات السوسيوثقافية وتراجع الضمير المهني عوامل من بين أخرى، هي المسؤولة عن هذه النتيجة( وربما تكون هذه فرضية تحتاج إلى مزيد من التدقيق في بحوث استكشافية مستقبلية).
علاوة على توفر الموارد الدراسية وظروف العمل، هناك عامل التركيز على المعارف دون المهارات ودون القيم، وهذه إشكالية تعود بالأساس لطبيعة المنهاج الدراسي المعمول به في المنظومة التربوية المغربية، والذي يحتاج إلى تغيير عاجل ومستعجل نظرا لتأكد عدم فاعليته (هناك أكثر من دراسة بينت المطبات العميقة التي بني عليها المنهاج التربوي المغربي). بالإضافة إلى ذلك هناك دور الإدراة التربوية في العملية التعليمية، وهل دورها ينحصر في مجرد العمل الإدراي الروتيني ضبط الغياب وإنجاز المحاضر الوهمية في بعض الحالات وتغطية الشمس بالغربال، و"قولوا العام زين" ورجاع ليهوم وراقهم" و"تهنات القضية" أم أن دور الإدراة التربوية هو تحقيق الحكامة الجيدة في المؤسسة التي يتولونها، ولهذا أعتقد أنه وجب إعادة النظر في الأدوار الموكولة للإدارة التربوية، والعمل بمقتضى التعاقد معها وفق النتائج المحصل عليها، إننا من خلال هذا المؤشر، يجب أن نعمل على عقلنة الحقل التربوي وفق ما نص عليه روح الدستور" المسؤولية مع المحاسبة.
2)عامل المدرس: ويدخل في هذا العامل، التكوين الأساس الذي يحرزه المدرسون لولوج مهنة التعليم، حيث بينت النتائج، أن الشواهد المحصل عليها من طرف المدرسين المغاربة لا تتعدى 60℅ ممن يتوفرون على مستوى "الباك" و40℅ لمستوى الاجازة، بينما المعدل الدولي نجد 79℅ ممن يتوفرون على مستوى الإجازة و30℅ لمستوى الماجستير والدكتوراه، ونحن نعتقد أن الإشكال لا يتلخص في مستوى الشهادة المحصل عليها، لأننا نعلم أن مستوى الشواهد الجامعية ببلادنا عرف تدنيا في السنوات الأخيرة، خصوصا مع إقرار نظام الإصلاح البيداغوجي، الذي لم يستطع أن يخرج الجامعة من عوائقها البنيوية والمزمنة وينتج مفكرين وعلماء ونخب حقيقية لممارسة التنمية المعرفية المطلوبة.
وبالموازاة مع عامل التكوين الأساس، هناك التكوين البيداغوجي، وهنا يطرح السؤال إلى أي حد تخرج مؤسساتنا التأطيرية (مراكز تكوين المدرسين والمدارس العليا والمراكز التربوية، والتي تحولت إلى مراكز مهن التربية حاليا) تكوينا بيداغوجيا يؤهل المدرسين للاضطلاع بمهماتهم التربوية والتعليمية على الوجه الأفضل؟ هذا إذا أضفنا إليها العبث الذي مورس في لحظات معينة، بما كان يسمى التوظيف المباشر، والذي كان يعالج به مشكلا سياسيا على حساب الجودة في الحقل التربوي.
وقد توقف التقرير الدولي عند مفارقة تستحق كل اهتمام، وهي تجربة المدرسين، فإذا كانت أغلب الدول المشاركة في الإختبارت، بينت أنه كلما راكم المدرسون تجارب تعليمية من خلال سنوات التدريس إلا وكان لذلك أثار ايجابية على تحسين جودة المنتوج التربوي الذي يستفيذ منه التلاميذ، لكن الاستثناء الوحيد هو حالة المغرب، فكلما تقادم المدرسون، إلا وقلت حافزيتهم على التدريس، (وهنا نفتح قوسا لنؤكد أن الأمر لا يتعلق بمستوى الكفاءة المهنية، بقدر ما يتعلق بالمحددات السوسيوثقافية والسوسيومؤسساتية التي لا تسمح بتطوير الأداء، كالإحباط السيكولوجي، وأيضا هشاشة وضعف التكوين المستمر الذي يتلقاه هؤلاء المدرسون).
3)عامل المناخ الدراسي: وتعني به الدراسة مختلف العوامل المساعدة على سير العملية التربوية، كالانضباط والسلوك، وهل يوجد أمن بالمؤسسات التعليمية، سواء بداخلها، أم بجوارها، والتحرش الجنسي واللفظي الذي يتعرض له التلاميذ أو الأساتذة. ولعل هذه العوامل من بين أهم المحددات التي تعرقل السير العادي في مؤسساتنا التعليمية، فالحديث عن الانضباط والسلوك، في المؤسسات التعليمية المغربية، هو من قبيل الحديث عن القرون الخوالي، فمؤسساتنا انهارت فيها السلطة، سواء سلطة المدرس أو سلطة الإدارة، وبدأ التلاميذ يفرضون مقاييسهم ومعاييرهم، بحيث بدأنا نجد تواطئا موضوعيا قائما بين هؤلاء الفاعلين، فلم تعد للمؤسسات التعليمية تلك الهيبة والاحترام اللازمين باعتبارها مؤسسات للتربية والتعليم والقيم والمعرفة، بل أصبحت ملجئا للعديد من أشكال العنف والعنف المضاد، وهنا يمكن الإشارة للتقرير الأخير الذي أصدرته الوزارة في اليوميين الأخيرين، والذي بين مجموعة من الحقائق المرتبطة بالعنف.
أما عن التحرس الجنسي أو اللفظي، فحدث ولا حرج، فمؤسساتنا التعليمية أضحت مجالا لممارسة كل أشكال الانحلال القيمي بشتى أنواعه وصوره، وينضاف إلى ذلك انتشار النقط السوداء لبيع المخدرات والتبغ وفي بعض الحالات الخمر، هذا علاوة على وجود مقاهي ومخادع للألعاب، تشكل ملجئا للعصابات والمنحرفين الذين يتصيدون كل فتاة أوفتى من أمام مؤسسته التعليمية، لللتغرير به في مستنقعات الرذيلة والانحراف، بطبيعة الحال ليست هذه هي الصورة القاتمة التي يمكن أن يسخلصها القارئ، من هذا التوصيف، لكننا بدأنا نلاحظ تغيرا في العلاقات البين _مدرسية والتي شملت انقلابا قيميا حقيقيا، وقد فشلت المؤسسة التعليمية في احتوائه أو على الأقل التخفيف من حدته.
4) عامل الفصل الدراسي: وهذا العامل، يمكننا من خلال الدراسة، من قياس، مستوى الحافزية للتعلم عند الأطفال، وحبهم للمدرسة، والانخراط في العملية التعلمية، وقد أمكن التقرير من أن يستجلي، أمر بالغ الأهمية، وهو أن التلاميذ في بداية مشوارهم الدراسي تكون لديهم الحافزية للتعلم في أعلى مستوياتها، وكذا حبهم للانخراط في التعلم، لكن مع تسارع وثيرة المسار الدراسي، تخبو تلك الحافزية والانخراط، وهذا له أسباب متعددة، لم يدقق فيها التقرير، لكنه يمكننا كباحثين وكمهتمين، أن نكشف عنها من خلال إطلاق عملية بحثية في مثل هذه القضايا التي تؤثر سلبا على الإيقاع الدراسي وتشوش عليه.
5) عامل الأسرة:وقد أمكن التقرير، أن يتحدث عن وجود قدوة داخل البيت، كالأب أو الأم أو الإخوة، ممن يقرأون ويشجعون من هم دونهم على فعل القراءة والإطلاع والإستكشاف.
وثانيا، توقف التقرير عند هل يتوفر البيت على موارد تربوية، أي الكتب والأنترنيت ومختلف الوسائط التي توفر أجواء مساعدة على البحث والمعرفة. ولاشك أن هذا المعطى، يرتبط بشكل جوهري بما هو سوسيوثقافي وسوسيواقتصادي، فالمعطى الإقتصادي، مرتبط بتوزيع الثروة بشكل عادل على أبناء الشعب المغربي، وهل هناك عدالة اجتماعية أم لا؟ كل ذلك يؤثر في ضمان استقرار الأسر وبالتالي ضمان استقرار المسار التعليمي لأبنائها، فكما نعلم لا أحد يهرب من "دار العرس" والكرش إلا شبعت كالتغني"، فلا يمكن أن نضمن تعليما جيدا طالما بقي المغرب يعاني من تفاوت طبقي كبير، ولهطا فهذا العامل يساعدنا في التفكير في استراتيجيات إلتقائية حتى تصب في هدف واحد هو تحقيق الكرامة الإنسانية لجميع المغاربة. أما العامل السوسيوثقافي فهو مرتبط بسابقه، وهو نتيجة وسبب، فنظرة المجتمع للعلم والمعرفة، تؤثر في عملية التعليم، وقد وقع في المغرب، تراجع خطير في هذه النظرة، نظرا لفشل المنظومة التعليمية في تحقيق ترقي اجتماعي، مما ولد احباطات ومعوقات ترسبت في الأجيال الصاعدة، وليس السبب في ذلك هو المؤسسة التعليمية، بل إن ذلك مرتبط بالمشروع المجتمعي ككل، الذي لم يتبلور بشكل واضح: ولم يتم بعد الإجابة عن الأسئلة المحرقة: ما نوع المواطن الذي نريده؟ وماهي مواصفاته؟ ولأية أهداف؟ ولأي أفق؟ وما الغاية من وراء ذلك؟ ولعل الندوة الوطنية للتعليم، المزمع عقدها في شهر ماي المقبل، يمكنها أن تشكل حلقة في إعادة توجيه الرؤية المجتمعية، أو على الأقل إطلاق الورش التربوي للنقاش العام والمفتوح.

ختاما، يمكن القول، أننا لا ندعي أننا استطعنا أن نحيط بكل العوامل التي تؤثر في العملية التربوية، بشكل مباشر أو غير مباشر، لكن حسبنا أننا أردنا أن نثير النقاش في تقرير دولي شارك فيه المغرب منذ سنوات مضت، إلا أن الملاحظ هو أننا لا نستفيد من هذه التقارير لا الدولية ولا الوطنية في توجيه خططنا واستراتيجياتنا وأهدافنا في أفق التحكم في مخرجات المنظومة التربوية المغربية، ونحن نعتقد أن الحكومة الحالية بقيادة عبد الاله بن كيران، قادرة على التقاط نبض الشارع، والاهتمام بالأوراش الحيوية والمستقبلية للبلد، ومنها الورش التعليمي، ورغم أننا نعاتب الحكومة على تأخرها في فتح النقاش في الملف التعليمي، لأنه مضت سنتين على تنصيبها ولم تباشر بشكل جدي الموضوع، مما جعل الرأي العام يتساءل: هل الحكومة واعية بمعضلة التعليم؟ أم لا؟ لكننا استبشرنا خيرا بالإعلان مؤخرا عن الدعوة لندوة وطنية تخصص للقضية التعليمية، أملنا النجاح لهذه الندوة وأملنا أكثر النجاح للورش التعليمي بما يعنيه ذلك من توفير الأسس والمداخل الطبيعة للانخراط الفعلي والقوي في مجتمع المعرفة.
(باحث في سوسيولوجيا التربية)


رد مع اقتباس
 

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

منتدى الجمعية الوطنية لمديرات و مديري التعليم الإبتدائي بالمغرب

↑ Grab this Headline Animator


Loading...