حالة استثناء في المدرسة

منتدى المستجدات التربوية


 
  #1  
قديم 03-13-2013, 10:20 PM
الصورة الرمزية عبدالخالق جنات
عبدالخالق جنات عبدالخالق جنات غير متواجد حالياً
عضو بارز
 
تاريخ التسجيل: Nov 2012
الدولة: الجديدة
المشاركات: 1,290
عبدالخالق جنات is on a distinguished road
)d': حالة استثناء في المدرسة

حالة استثناء في المدرسة
ادريس الكنبوري
الثلاثاء 12 مارس 2013 - 00:44

لدي بنت تدرس في السنة الأخيرة من المستوى الابتدائي بإحدى المؤسسات التعليمية الخاصة. لدى كل صباح أحملها إلى هناك مع عشرات الآباء والأمهات الذين يصلون كل يوم في الموعد مثلي، لكن في الأسبوع الماضي حصل شيء مختلف. حملت إدارة المؤسسة تلاميذ الصف الأخير من الابتدائي ـ الذي سينتقل إلى الصف الإعدادي العام القادم ـ من المؤسسة التي يوجد مقرها بمدينة سلا إلى مؤسسة تعليمية أخرى بالرباط في رحلة غريبة أشبه بعملية تهريب، لإطلاعهم على الظروف التي يدرس فيها أبناء الصف الإعدادي في تلك المؤسسة. وفي المساء جاءت بنتي لتقول لي إنها تريد أن تدرس بالمؤسسة إياها في العام المقبل، لأنها تتوفر على التجهيزات المتطورة وأصحابها كرماء، فقد منحوهم جميعا هدية بسيطة لكل واحد وقدموا لهم حلويات ومشروبات.

عندما فكرت مع نفسي في النازلة وجدت أنني تعرضت ـ ومعي عشرات الآباء والأمهات ـ للنصب والابتزاز من طرف مؤسسة تعليمية يفترض فيها ـ مثل جميع الافتراضات الأخرى الموجودة في المغرب ـ أنها تقوم بمهمتها على أكمل وجه، ولا تتجاوزه إلى أي وجه آخر. فقد قامت بعملية دعائية تم فيها استغلال التلاميذ لفائدة مؤسسة أخرى، أي أن هناك صفقة بين المؤسستين، تقوم الأولى بمقتضاها بعملية إشهارية ـ تجارية لفائدة الثانية، جمهورها أطفال أبرياء تم توظيفهم بطريقة غير أخلاقية ولا علاقة لها بمهنة التدريس والتربية، وبنوع من الإكراه، والأرجح أن صاحب المؤسسة الأولى شريك في المؤسسة الثانية ولديه مصلحة. وكان يمكن تقبل ما حصل لو أن المؤسسة المُزارة توجد بداخل نفس المدينة التي ينحدر منها هؤلاء التلاميذ، ولكن المشكلة أنها في الرباط لا في سلا، أي أن مسؤولي المؤسسة يريدون أن يكرهوا الآباء على إلحاق أبنائهم بتلك المؤسسة المزارة، مع كل ما يكلفهم ذلك من عنت التنقل، ومن استحقاقات مالية، لأنها أصلا باهظة التكاليف.

ما حصل يعد احتيالا قامت به مؤسسة تعليمية خاصة، فالمنطق يقتضي أن يكون أولياء هؤلاء التلاميذ هم المعنيون بتلك الرحلة الاستطلاعية الغريبة، لأنهم هم من يدفع تكاليف الدراسة وهم من يحدد المؤسسة التي يدرس فيها أبناؤهم، أما أن يتم حشر التلاميذ في حافلات النقل المدرسي، وداخل أوقات الدراسة لا خارجها، لاستغلال مشاعرهم الصغيرة والضغط من خلالهم على أسرهم، فإن هذا يعتبر خرقا سافرا لأخلاقيات المهنة، وليس أي مهنة، بل مهنة التدريس، التي كانت في الماضي وساما على صدور أصحابها وشرفا لا شرف فوقه، قبل أن يحولها البعض اليوم إلى آفة.

لهذا السبب يتهافت أصحاب المال في المغرب اليوم على بناء المدارس الحرة، أو الخصوصية، ولهذا السبب لم يعد بعض تجار المخدرات أو أصحاب الفضائح يبيضون أموالهم في العقارات بل صاروا يتحولون ناحية هذه المؤسسات التعليمية التي أصبحت بمثابة الديك الذي يبيض ذهبا كل شهر، لأنها مشاريع مربحة، والأسوأ أن هناك سياسة تعليمية حكومية متواطئة بشكل غير مباشر مع هذا الزحف المخيف الذي يغزو التعليم في بلادنا، وذلك عن طريق إفقار المدرسة العمومية وإفقاد الثقة فيها لدى المغاربة. وبسبب هذا التردي المتوالي للمدرسة العمومية، تزداد أسهم التعليم الخصوصي في الارتفاع وتزداد شهيته في الازدراد، ولا يجد المواطن ـ مهما كان مستواه المعيشي ـ مناصا من الاحتماء به هربا من المدرسة العمومية، مثل المستجير من الرمضاء بالنار. وهناك العديد من العائلات التي حيرها أمر التعليم في بلادنا، إذ تجدها تلحق أبناءها بالمدرسة العمومية وبعد ذلك تهرب منها إلى التعليم الخصوصي، ثم تعود إلى مدارس الدولة هاربة من شراهة الخواص، وهكذا دوليك كأن المواطن بات يعيش هاربا داخل بلده.

عندما قامت حركة المدارس الحرة في المغرب أثناء عقد العشرينات من القرن الماضي وإلى عقد الخمسينات، كان الشرفاء والغيورون على التعليم وعلى الثقافة والقيم الوطنية هم الذين يقفون وراءها. إلى هذه الجذور تعود كلمة المدارس الحرة قبل أن يدخلها بعض من لا يؤمن برسالة التعليم أو الثقافة الوطنية بل بمجرد الربح وتكديس الأموال على حساب العائلات المغربية، وقبل أن تجد فيها الدولة ذريعة للتحلل من التزاماتها اتجاه المواطنين. ومن المؤسف أن يفتح هذا الباب أمام من يتوفر على الأموال ولا يعرف ماذا يصنع بها، وها هم الآباء اليوم يشكون من التعليم الخصوصي ويبكون على التعليم العمومي، ويجدون أنفسهم بين نارين، يخشون تعليم أصحاب المال لأنه مكلف لجيوبهم ومردوده التعليمي متواضع، ولا يثقون في تعليم الدولة لأنه متهالك، ويخافون المدرسة العمومية لأنها صارت فضاءات غير تربوية على الإطلاق، لأن هناك الآلاف من الأسر الذين يضعون أبناءهم في المدارس الخاصة فقط لأن لها أسوارا وأطرا يسهرون على أمن المتعلمين، وهناك عائلات لا تجد ما تأكله ولكنها حريصة على تعليم أطفالها في المدارس الحرة، والسبب واضح، وهو أنها تريد ضمان تعليم مناسب ولا بأس به لهم، ولا تثق في ما تفعله الدولة، لكنها في نفس الوقت لا تثق في ما يفعله الخواص، بيد أنها لا تجد بدا من التحايل على واقع مرير والصبر على الليبرالية المتوحشة التي وصلت إلى التعليم نفسه. والمصيبة أن تكاليف التعليم الخصوصي لا تكفي، بل تضاف إليها تكاليف دروس الدعم والتقوية التي أصبحت جزءا من منظومة التربية والتكوين في بلادنا، حتى ليمكننا التساؤل عن أين يوجد التعليم بالفعل، في مدارس الدولة أم في المدارس الخاصة أم في حصص الدعم والتقوية؟.

عندما دخلت المدرسة، قبل حوالي أربعين عاما، كان التعليم جيدا بالمقارنة مع الوضع الحالي، أما الذين درسوا قبلي فقد كان وضعهم أحسن بالتأكيد. ويقول الذين درسوا قبلنا في أيام الاستعمار إن التعليم كان أكثر جودة. ومنذ السنة الأولى لحصولنا على الاستقلال والدولة تتحدث عن إصلاح التعليم، أي منذ 1957، وقد ولد الناس وتعلموا في المدارس وعملوا وأنجبوا وماتوا، وما زال موضوع إصلاح التعليم مستمرا إلى اليوم. وعندما وصلت إلى السنة الرابعة من الدور الإعدادي سمعنا بكلمة"نورماليزي"(التوحيد)، وكان ذلك شوطا آخر من الإصلاح، وفي سنة الباكالوريا كان هناك إصلاح آخر، وعندما وصلت إلى الجامعة وجدت أمامي شوطا آخر من الإصلاح، وقد كبرت وتزوجت وأنجبت، وها هي بنتي تعيش شوطا آخر من إصلاح التعليم، وأنا على يقين بأنها ستكبر إن شاء الله وسوف تتزوج وتنجب، وسوف يعيش أبناؤها أشواطا أخرى من الإصلاح، ذلك أننا منذ أكثر من خمسين عاما ونحن نعيش حالة استثناء في التعليم، ولا يدري أحد متى سينتهي"إصلاح التعليم" لكي يبدأ بالفعل عهد"التعليم"، وأنا لا أعرف ما معنى "الدولة الحديثة" إذا كان التعليم غير مستقر على حال ولا برنامج له ولا رؤية.

منقول لكل غاية مفيدة...


phgm hsjekhx td hgl]vsm

رد مع اقتباس
 

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

منتدى الجمعية الوطنية لمديرات و مديري التعليم الإبتدائي بالمغرب

↑ Grab this Headline Animator


Loading...