محاكمة الجنون العقلي

منتدى منبر النقاش الحر


إضافة رد
  #1  
قديم 03-28-2013, 08:22 AM
الصورة الرمزية عبدالخالق جنات
عبدالخالق جنات عبدالخالق جنات غير متواجد حالياً
عضو بارز
 
تاريخ التسجيل: Nov 2012
الدولة: الجديدة
المشاركات: 1,287
عبدالخالق جنات is on a distinguished road
افتراضي محاكمة الجنون العقلي

فوكو في <تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي>

يتناول فوكو في كتابه العلاقة الكائنة ما بين الجنون وبين العقل حيث وجّه نقده وحفرياته المعرفية وخلخلة الأوهام الشائعة حول العقل والجنون، والتي قرّرت بأن الجنون صورة عن العالم الآخر، والعقل في جهة أخرى ، ولا اختلاط بينهما، مع أن كل إنسان عاقل فيه حبّة جنون، صغرت أو كبرت. وكشف فوكو أن كل شكل من أشكال الجنون له موقعه وشاراته ، وأن نظرة الناس إلى الجنون في القرون الوسطى كانت مختلفة عن العصر الكلاسيكي وعن نظرتنا في العصر الراهن إليه. وكان كل عصر يشكل تصوره عن هذه الظاهرة التي ترعب عالم <العقلاء>، لذا كان الهمّ منصباً على التحكم في الجنون. ولم يمنع في التحكم الجنون من الاحتفاظ بكل مظاهر سيادته، حتى بات جزءاً من إجراءات العقل والعمل والحقيقة، يمارس نشاطه في الوجه الشفاف للأشياء وفي تقلبات النهار، في الظاهر وفي غموض الواقعي والوهمي، في تلك اللحمة غير المحدّدة والمستعادة دائماً والمنبوذة . إنه يفصل الحقيقة عن الظاهر ويوحّدهما كذلك. إنه يخفي ويكشف، ينطق الحقيقة ويكذب، فهو ظل ونور. إنه يُغري، بوصفه الصورة المركزية والمتسامحة، صورة كانت هشة ومازالت لهذا العصر العسير.
إن ما يؤكد فرادة مؤلف فوكو في الجنون، ويمنحه طابعه الخاص، هو استناده إلى التاريخ العجيب للجنون، وإلى كل خبرات الإنسان وتجربته مع الدنيا والقصوى على حد سواء،، فقد استقى فوكو مادته في هذا الكتاب من الطب الوضعي، واستقاها كذلك وبشكل أساسي من عوالم الأدب والفن والمسرح والفلسفة، كما استقاها من الشعوذة وكل الممارسات السحرية، ومن تاريخ مؤسسات الدولة، بما فيها البرلمان والشرطة والجيش و<الأوامر الملكية> والمستشفيات العامة و والسجون و، من دون أن ننسى مؤسسات <الحجز>، وهي اختراع من اختراعات العصر الكلاسيكي العجيبة. وتناول فوكو <الطب العقلي> و<السيكولوجيا> و<التحليل النفسي> ومختلف الأشكال العلاجية التي أعقبت العصر الكلاسيكي معلنة عن ميلاد <المجنون المريض> الذي سيخلف المجنون، بوصفه <الدرويش> و<الوحش> و<الشاذّ>، تماماً مثلما سيخلف البمارستان والعيادة دور الحجز والمستشفى العام.
واستفاد فوكو من كل ذلك كي يطاول الخبرة الإنسانية في لحظات خلقها لأشكال العسف المتنوعة للحدّ من اندفاع الجسد والروح، وتخطيهما لحدود <المعقول> و<العقلاني> و<المستقيم> و<الرزين>، وللانتشاء بالذات داخل عوالم اللاعقل التي لا تعترف بأية <حدود إضافية> غير تلك التي تأتي من أشياء الطبيعة وطبيعة الأشياء. وجاء عمل فوكو زاخراً، يهتم ب<أهواء النفس> البشرية في حالاتها المتنوعة، وفق معرفة علمية تخصّ الجنون والعقل واللاعقل والاختلال النفسي وكل السلوكات <الغريبة> و<الشاذة>، ويحذوها الاندفاع نحو حدود لا تتوقف عن التوغل في المجهول.
سفينة الحمقى
يرصد فوكو بدايات تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي، منطلقاً من نهاية الجذام مع نهاية العصور الوسطى، وتوارى المصاب به أو كاد من الذاكرة، إلا أن بنياته ستستمر، فحلّ الفقراء والمشردون والخاضعون للإصلاح والمرضى عقلياً محل المصاب بالجذام. وظهرت <سفينة الحمقى> في الحقل المخيالي لعصر النهضة، كإحدى الأساطير الروائية أو الهجائية، سفينة غريبة جانحة، مليئة بالحمقى، تنساب في الأنهار الهادئة لنهر ريناني والقناطر الفلامية. كان لها وجود حقيقي، إذ كان المجانين يطردون من جنبات المدن ويشحنون على ظهر هذه السفن، أي أنها سفينة لم تصنعها حقائق التاريخ والممارسات الفعلية، بل صنعتها حاجات المخيال الإنساني الذي فتنه عالم الجنون، فنسج حوله مجموعة كبيرة من الحكايات والروايات. ذلك أن التخلص من المجانين والإبحار بهم إلى أماكن بعيدة عن المدن الرئيسية، واقع تاريخي لا يُمكن إنكاره، ويشهد على ذلك واقع الإقصاء والنبذ الذي تعرّض له المجانين طوال فترة النهضة وتلك التي أعقبتها، إلا أن ما يعطي الواقعةَ قوتها ووظيفتها الجديدة هي أبعادها الإيحائية وإحالاتها على الأحاسيس التي تسللت إلى الثقافة وصاغت داخلها حدود ضمير يشكو من قلق واضطراب تجاه عالم الجنون.
لا يفوت فوكو تناول ممارسات السحر والشعوذة والطقوس الاستئناسية، لأن عمله يطاول أيضاً العوالم الرمزية وكل الصور المخيالية التي أنتجتها المخيلة الإنسانية. وهي عوالم تسللت إلى أشكال التعبير الإنساني كافة، الأدب والفن والفلسفة، وكذلك مجمل التصورات التي يعيش فيها المجنون داخل اللغة وداخل خطاطات السلوك الاجتماعي وعوالم التقديس والتدنيس على حد سواء.

الاعتقال الكبير
لقد أعاد عصر النهضة إلى الجنون صوته، ولكنه تحكم في مصادر عنفه، وسيأتي العصر الكلاسيكي لكي يسكت صوته بقوة غريبة. في عصر النهضة كان العقل واللاعقل مجتمعين بمعنى أنه لم يكن هناك رفض صارم ل<اللاعقل>. كان هناك شعراء مجانين وأدب مجنون إلا أنه في القرن 16 استبعد الجنون نهائياً من الساحة.وظهر <المستشفى العام> في سنة ,1661 كي يتجسد الحجز فيه بامتياز، سجناً وإصلاحية ومأوى وبمارستاناً، بمعنى آخر أداة قمع مثلى، تنهض بكل شيء باستثناء العلاج. فقد أُنشئ في بداية الأمر في فرنسا بأمر ملكي لمحاربة العطالة والتسكّع والتسوّل في الشوارع وأبواب الكنائس، ليصبح بعد ذلك غولاً هائجاً، سرعان ما ابتلع في طريقه كل شيء. ابتلع كل الذين يوجدون على جنبات خط رفيع لا يُرى، رسمته المصالح الخاصة والعامة، مصلحة العائلة، ومصلحة المجتمع، ومصلحة الدولة. لكن عالم الحجز كان غريباً، فقد كان يضمّ داخله المجانين والمختلين والمنحرفين والشاذين جنسياً، كما ضمّ المبذرين والبخلاء والمنحلين والغارقين في اللاعقل ويعيشون في غيابات الجنس والفلسفة والأدب وكل أشكال الإبداع التي تغطي تجربة روحية لا تتوقف إلا عند حدودها القصوى، كما ضمّ أيضاً المرابين والمشعوذين وكل الذين خرجوا عن أخلاق المجتمع أو شككوا في قيمه.
بالمقابل، يبحث فوكو عن الجنون في أعمال سيرفانتس وشكسبير، حيث لا يطلّ سوى على التمزق، ومن ثم على الموت. لكن سرعان ما سيغادر الجنون مناطقه القصوى التي وضعه فيها سرفانتس وشكسبير ليحتلّ، في أدب بداية القرن السابع عشر، موقعاً وسطياً، لينشر الجنون سلطته داخل فضاء الرؤية الخالصة. استيهامات ومظاهر خالصة لحلم العالم وقدره السري. إنها عوالم عجيبة كما هي لوحات غويا وأعمال بوش، عوالم من صنع مخيال مزقته الأهواء، إنها التعبير الأسمى عن الحقيقة الحقيقية للجنون، لذلك لا أحد يتحكم فيها، إنها خارج سلطة القانون والدين والأخلاق، فما ينتجه المخيال يدخل ضمن عوالم الممكن المنفصلة عن قوانين الواقع وآلياته في التحكم والتوجيه والتوقع. وضمن حالات الجنون ستصنف أعمال أدبية وفلسفية كبرى كأعمال نيتشه ونيرفال وأرتو، وأعمال مجموعة أخرى من الأدباء والفنانين الذين أسلموا قيادهم لوجدان فك كل قيوده وانغمس في حالة هذيان لم يعد يعرف حدوداً في الانفعالات والأزمنة والفضاءات، وضمنها أيضاً صنفت أعمال ساد.
كان الحجز والسجن هو التصرف مع المجانين، بوصفه الحل الذي اهتدت إليه مخيلة الفترة الكلاسيكية، حيث أصبح السجن المكان المخصص للخلاص من الخطايا ضد الجسد والأخطاء ضد العقل. لقد أصبح الجنون رديفاً للخطيئة وذاك هو الرابط الذي سيظلّ ثابتاً على مدى قرون بين اللاعقل والذنب. لذلك فما نعرفه عن الوجوه الرمزية للجنون أكبر بكثير مما نعرفه عن وجوهه الطبية وآليات التصنيف والعلاج الوضعي. فالسلطة الطبية، بل كل السلط، لا تستطيع فك إساره من أحكام مسبقة هي وجهه وحقيقته ووضعه. لذلك فإن هذه العوالم الرمزية لا يتحكّم فيها البمارستان والوصفات الجاهزة وأشكال الحراسة والعقاب، إن مضمونها من طبيعة غير مرئية، إنها أحكام متنوعة منها ما يأتي من الأخلاق والدين والقضاء: الفصل بين الذات الاجتماعية والذات الحقوقية، بين ما هو مرتبط بالإدانة الأخلاقية وبين ما يعود إلى اللامسؤولية الجنائية، ومنها ما يأتي من كل المعتقدات التي ترتكز على حقيقة ثابتة وأصلية هي أداة الحكم والتصنيف: يمكن أن يكون المجنون وجهاً سرياً من وجوه الله، مثل حالات الدرويش المسالم، وهو وجه مألوف في كل الثقافات، وحكمة الطبيعة هي من العمق لدرجة أنها تستعمل الجنون باعتباره الدرب القصير المؤدي إلى الحكمة، متخطياً أشكاله الخاصة من خلال عناية إلهية غير مكشوفة>، ويمكن أن يكون تعبيراً عن إدانة إلهية لإنسان خلق هلوعاً، مثل حالات الجنون الساخط والعنيف.
جنون العباقرة
يتوقف فوكو طويلاً أمام جنون الفلاسفة والشعراء والأدباء والفنانين، أمثال هولدرلين، ونيتشه، وآرتو، وجيرار دونيرفال، وغويا، وساد، إلخ. وهو جنون يحقّ له أن يحاكم العقل الغربي المتغطرس وليس العكس، إذ لا يوجد أي عقل في العالم يستطيع أن يرتفع إلى مستوى جنون فريديريك نيتشه أو الشاعر الكبير هولدرلين. ولا يجد فوكو غير الثناء على هذا الجنون والتحدث عنه بحميمية وشاعرية، فهؤلاء المجانين الكبار قدّموا روائع خالدة للثقافة الإنسانية.
ويرى فوكو أن جنون تاس، واكتئاب سويفت، وهذيان روسو، كلها حالات معبّر عنها في أعمالهم، تماماً مثلما أن هذه الأعمال مرتبطة بأصحابها. فالعنف الذي يتكلم في نصوصهم وفي حياتهم هو من الطبيعة نفسها، أو الهم نفسه، رؤى تتحاور فيما بينها، اللغة والهذيان يتداخلان. لقد كان العمل والجنون مرتبطين ارتباطاً عميقاً: هذا يضع حداً لذاك، إنها مفارقة. ذلك أن هنالك منطقة يتمرد فيها الجنون على العمل، ويختزله بشكل ساخر، جاعلاً من مشهده المخيالي عالماً باتولوجياً من الاستيهامات. والعكس صحيح، لقد كان الهذيان ينفصل عن حقيقته الهزيلة كجنون، ليثبت نفسه بوصفه عملاً.
إن جنون نيتشه وفان غوغ أو آرتو، معبر عنه من خلال عمل صاحبه، وهنا تنتهي الحكاية، قد يكون ذلك التعبير عميقاً، لكنه تمّ من خلال عالم آخر. لكن فوكو يعلن أن الجنون هو قطيعة مطلقة في العمل، بوصفه يشكل اللحظة المكوّنة لاندثار ما، ويؤسس في الزمن حقيقة العمل، إنه يرسم حدوده الخارجية وخط الانهيار، إنه بروفيل ضد الفراغ، لذلك يطالب العالم، الذي كان يعتقد بأنه يعرف حجم الجنون ويبرر وجوده من خلال السيكولوجيا، بأن يبرر وجوده أمام الجنون.


lph;lm hg[k,k hgurgd


التعديل الأخير تم بواسطة عبدالخالق جنات ; 04-08-2013 الساعة 02:59 AM
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 04-08-2013, 02:35 AM
الصورة الرمزية عبد العزيز منتوك
عبد العزيز منتوك عبد العزيز منتوك غير متواجد حالياً
مشرف منتدى جهة كلميم السمارة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2010
المشاركات: 1,304
عبد العزيز منتوك is on a distinguished road
افتراضي ما كل جنون .....جنون

أجد في الأمر مايشبه انعدام حدود المياه الإقليمية ، كأن يسبح المرء في المحيط الأطلسي و يجد نفسه في مياه دافئة للمتوسط ، مثل ذلك ما يفصل بين العقل و اللاعقل.
لعل انعدام الحدود بين الجنون كوضع صحي و وضعيات الإبداع فكرا و فلسفة ، تسويغ لمحاصرة شذوذ إيجابي للعقل الإنساني ، استوجب عبر تاريخ الإنسانية الزج بالمبدعين في زنازين معتمة بدعوى الجنون ، وهو من وجهة نظر المنزعجين ضرب من الجنون ، ألا يسير البعض وفق ما تخطط له الأنظمة ، كنسية كانت أو لاهوتية ، أو حتى مسلمة حتى النخاع.
شدتني كثيرا فقرة جنون العباقرة ، إذ أجد أن كتابات و إبداعات استطاعت عبر التاريخ البشري أن تؤسس للخلود ، في زمن رمي أصحابها بالجنون و العقوق ، و في زماننا هذا ، علينا الحذر كلما سمعنا أحدا يقول عن الآخر : هاداك غي كايخربق
.

رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

منتدى الجمعية الوطنية لمديرات و مديري التعليم الإبتدائي بالمغرب

↑ Grab this Headline Animator


Loading...