-البـيــاض-

منتدى القصة بأصنافها


إضافة رد
  #1  
قديم 03-19-2013, 06:40 PM
الصورة الرمزية عبدالخالق جنات
عبدالخالق جنات عبدالخالق جنات غير متواجد حالياً
عضو بارز
 
تاريخ التسجيل: Nov 2012
الدولة: الجديدة
المشاركات: 1,290
عبدالخالق جنات is on a distinguished road
افتراضي -البـيــاض-

-البـيــاض-


البياض الساطع في كل مكان، طلاء الغرفة لامع لا يشوبه شيء وإن بحث بعينيه عما يكسر صفاءه.السرير ناعم ورائحة النقاء تفوح منه عن بعد، حتى الغطاء الذي يخفي تقريبا جل جثته الساكنة ناصع البياض، وهو مستلق على ظهره دون حراك...
إحساس تختلط فيه السكينة بالملل بالتفكير العميق، عيناه مفتوحتان تتجولان بتأن في أركان الغرفة، تبحثان عن شيء يستحق الملاحظة لكن دون جدوى. لا شيء يثير الانتباه ويفرض التمعن. بعد مدة ليست بقصيرة حاول اكتشاف ما بجانبيه، فاستدار ذات اليمين ليلحظ أنداك باقة من الفل والياسمين المتعانقين داخل مزهرية من الفخار، المنمق بألوان بديعة لا شيء يذكر... بعد أن مل خاطره من عد وريقات الورد وألوان المزهرية، أدار رأسه إلى شماله فوجد هاتفا ثابتا وكأسا بلورية ترسبت مادة بيضاء في قعرها. حاول تذكر متى شرب دواءه أخر مرة، لكنه يئس...
تساءل مرارا وتكرارا، ما فائدة هدا الدواء؟ أهو تعجيل للشفاء أم تأجيل للنهاية؟ لم يلق جوابا مقنعا من طبيبه الغامض الكثير الشرح، ولا من الحمامة البيضاء البهية الطلعة التي تزوره مرتين في اليوم لتحضر دواءه وتعينه على تناوله برقة ولطف لا نظير لهما... غاص في بحر أفكاره باحثا عن رد شاف لتساؤلاته، لكن لم يجد في عقله سوى البياض...
حاول وصف مصيره من ملامح الطبيب فجزم أن حالته ميؤوس منها،لكن تفاءل خيرا كلما أطل عليه الملاك الأبيض، وابتسم في وجهه ابتسامة تتفتح برؤيته أزهار الفل والياسمين بجواره. إذاك يتشبث بخيوط الأمل وإن كانت على ما يبدو من الحرير الناعم. جعله هذا التناقض مؤمنا بقدره وراضيا عن مصيره في كلتي الحالتين، حينها لم يسعه سوى الانتظار، والضياع في غيابات الذكريات. عاد بمخيلته إلى السنين الخوالي، استحضر طفولته وشقاوتها، ثم شبابه وطيشه ومغامراته، ثم كبره وتجاربه في غياهب الحياة ومحنها. راجع زلاته وعثراته الصغيرة منها والفادحة فاستعر منها، وتذكر لحظات الأنس والبطولية والشهامة فاعتز برجولته فيها، ولم ينسى أبدا من قلبت كيانه رأسا على عقب...
بعد طول تفكير، تثاقلت أنفاسه، وتصلب جفناه، وترسبت روحه داخل جسده ليستقل قطار الأحلام، ثم يغط في نوم هنيء غير مبال بالمحطة القادمة...
استمر الوضع هكذا أياما وشهورا دون أن يزوره أحد ودون أن يتوقع زيارة من أحد، فهو وحيد مند طفولته، حتى علاقاته العاطفية لم تكن سوى لحظات عابرة سهلة النسيان. لم يتذكر منها سوى فتاة شقراء اعتقد أنها ستكون الحب الأول والأخير، لكن سدى. فلم تترك خلفها سوى رائحة عطر فرنسي عالي الجودة، تشبث بعنفوان على قميص نومه الأبيض لأيام طوال، بعد أن قضت معه ليلة شتوية حارة على ضوء شموع خافتة ونبيذ أبيض أدفأ الأبدان وشجع الوصال...
لم ينكر أنه تاق لرؤية الجميلة مجددا، سيما وأنه رسم مستقبلا لهما بقلم حبر للمرة الأولى، عوض الرصاص. لكنها رحلت على حين غرة إلى المجهول، ولم تعد... وبلا أي سبب...
بينما يفكر في الحسناء الغامضة، انفتح باب الغرفة لتدخل الممرضة العذبة المواظبة على دوائه بكل تفان، ابتسامة خلابة كالعادة تكسو وجهها الملائكي. ناولته العقار، بعد أن تسلمت الكأس من يديه الثقيلتين تمنت له الشفاء العاجل بكل أدب، وقبل أن تخرج من الغرفة توقفت لثوان ثم استدارت ببطء شديد تمعن النظر فيه خرقا للعادة، رفع رأسه نحوها فالتقت نظراتهما لأول مرة، وهنا... أصاب سهم حاد قلبه فخرقه وتكهرب كيانه، جحظت مقلتها حتى تجلى البياض فيهما بوضوح بارز، فسقطت دمعة يتيمة وصلت الى دقنه بمشقة، بعد ان انسابت بين الأخاديد التي خلفها الدهر على وجنتيه. ثم ابتسم ابتسامة بلهاء، يمتزج فيها الغباء بالفرح، والدهشة بالصدمة.تابعت الممرضة سيرها تاركة المريض ينصت بخشوع لنبضات قلبه السريعة العنيفة وهي تتباطأ بهدوء تدريجيا داخل جسده البارد...

بقلم:ياسين اعميرة


-hgfJdJJhq-

رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

منتدى الجمعية الوطنية لمديرات و مديري التعليم الإبتدائي بالمغرب

↑ Grab this Headline Animator


Loading...